في عالم العلوم البيولوجية، يُعد فهم كيفية اختيار الخلايا للموت بشكل نشط ثورة حاسمة تسهم في تقدير تطور الكائنات الحية والأمراض التي تصيب الإنسان. حصل الدكتور فيشفا ديكسيت على جائزة مؤسسة الأوسمة العالمية لعام 2026 في مجال العلوم الحياتية أو الطب نظرًا لمساهماته التاريخية في آليات الموت الخلوي والالتهاب على المستوى الجزيئي. خلال دراسته الطبية في جامعة نيروبي، قرر تكريس حياته للبحث العلمي الأساسي، وبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، أتم تدريبًا في علم الأمراض بجامعة واشنطن في سانت لويس، ثم بدأ مسيرته البحثية في جامعة ميشيغان وأنهيناغنيتيك.
1. المرض يتجاوز الحدود الوطنية: العمل من أجل الإنسانية
سؤال: كيف تشعر عندما تتلقى جائزة العام 2026 في مجال العلوم الحياتية أو الطب؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: شعرت بمفاجأة كبيرة وتقدير عميق لمشاركتي في هذا التكريم مع أصدقاء عزيزين ورائدين محترمين مثل وانغ شياودونغ، يوان جونينغ، وشاو فنغ.
رسالتي للجمهور العالمي هي أن المرض لا يعترف بالحدود الوطنية، فالمريض لا يهتم بمكان اكتشاف الدواء؛ علينا أن نعمل معًا كفريق عالمي من أجل الإنسانية.
2. “الجلاد هو مثل مجموعة من المقصات الجزيئية، تقطع بشكل لا رجعة فيه البروتينات الأساسية”
سؤال: لعب عملك دورًا تاريخيًا في الكشف عن كيفية اختيار الخلايا للموت. إذا شرحت اكتشافك لشخص غير مختص في علم الأحياء باستخدام تشبيه بسيط، ما نوع “مفتاح الإيقاف الداخلي” الذي اكتشفته لمساعدة الجسم على التخلص من الخلايا التالفة؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: بالتأكيد، سؤال مهم جدًا. نعيش بمعنى أن الخلايا المصابة، والخلايا الشاذة، والشيخوخة بحاجة إلى الموت، لكي تحل محلها خلايا جديدة أصغر سناً. ولكن كيف يقرر الخلايا أن تموت؟ وما هو دور المنفذ؟ في الواقع، إذا قُتل شخص ما، نسأل: هل أُطلق عليه النار، أو طُعن؟ كيف مات؟ عملية الموت الخلوي مهمة لكل من الخلايا المريضة، والشيخوخة، والخلايا الشاذة، وأيضًا أثناء التطور، حيث تساهم في تشكيل الجسم، فكثير من الثقوب والفم تتكون لأن خلايا قررت الموت.
هذا يطرح سؤالًا مهمًا جدًا: من هو القاضي الذي يحدد “يجب أن تموت” أو “يجب أن تعيش”؟ وما هو طبيعة الأداة التي تنفذ ذلك؟ دراستنا كشفت أن المنفذ هو مجموعة من المقصات الجزيئية، تعمل مثل مقصات تقطع داخل الخلية، وتقص البروتينات الأساسية ومكونات الخلية، ونتيجة لهذا القطع الذي لا يمكن إعادة ربطه، تموت الخلية. وهذا الجهاز، المقصات الجزيئية، يخضع لتنظيم من قبل هياكل أخرى، مثل مستقبلات الموت على سطح الخلية، أو جزيئات تنطلق من الميتوكوندريا التالفة، وتُوازنها عائلة من الجزيئات التي تمنع الموت الخلوي. سنوات من البحث حددت طبيعة هؤلاء المنفذين وكيف يتم تنظيمهم من قبل المثبطات.
3. “أكبر عقبة كانت التغلب على التكرار والمرونة في مسارات الموت”
سؤال: عندما تتعرض الخلايا للضرر، فإنها بحاجة إلى التخلص من نفسها بأمان مثل فريق تفكيك القنابل. لكن إذا خرجت عملية الإغلاق عن السيطرة، يمكن أن تؤدي إلى التهاب شديد وأمراض مناعية ذاتية. ما هو أصعب تحدٍ واجهته خلال رسم خريطة هذه المسارات الجزيئية، وكيف تساعد أبحاثك في وقف “النيران الصديقة” هذه؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: كانت التحديات في جزء منها تتعلق بالتكرار، بمعنى أنه إذا أعاقك طريق موت واحد، فإن مسارًا آخر يمكن أن يتولى المهمة. هناك العديد من مسارات الموت، وإذا أحرقت واحدة، يخوض أخرى في الميدان. كان يتطلب الأمر هندسة جينية معقدة لفهم مدى مرونة النظام وتداخل المسارات، حيث تُعطل شيء ويأخذ آخر مكانه، مما كان يعيق تحديد المكونات بشكل دقيق.
لكن الآن بعدما تم تحديد المكونات الرئيسية، وأصبحت لدينا الصورة الواضحة، يمكننا التلاعب بها دوائيًا. على سبيل المثال، فيما يخص المقصات الجزيئية، يمكن تطوير مثبطات كيميائية تفتح آفاق صنع أدوية جديدة. التحدي الحقيقي كان في تجاوز تكرار المسارات ورسم خريطة علم الوراثة الخاصة بها.
4. “أهم العقبات في وادي الموت هي إشارات السلامة وتحديد دلالة العلاج المناسبة”
سؤال: قضيت عقودًا في العمل بشركة جينينتيك، الرائدة عالميًا في التكنولوجيا الحيوية. العديد من الاكتشافات العلمية لا تصل إلى المستشفيات. بصفة شخص يفهم الدراسات الأساسية وتطوير الأدوية، ما هو أصعب خطوة في تحويل اكتشاف بيولوجي أساسي إلى علاج ينقذ الأرواح؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: الصبر هو عنصر مهم للغاية. الكثيرون لا يدركون المدة المطلوبة لنقل اكتشاف أساسي إلى دواء. العمل على مثبطات GLP-1 بدأ في عام 1984، وعلى الباحث أن يكون صبورًا ومركزًا ومثابرًا. وادي الموت في تطوير الأدوية غالبًا ما يكون ناتجًا عن إشارات السلامة، فحتى الآن من الصعب جدًا توقع مدى أمان العلاج في البشر. فالكثير من المركبات الصغيرة التي تعمل في نماذج الحيوان فشلت في الإنسان لأن مخاطر السلامة تفوق الفوائد. سبب آخر هو اختيار العلاج غير المناسب بسبب بيوتولوجيا معقدة، كما هو الحال مع الأجسام المضادة مضادة لعامل ناتس-تاون في أمراض الالتهاب التي أُطلقت عليها بداية فشل لأنها كانت موجهة للسرطان، لذا فإن اختيار الحالة المرضية المناسبة أمر حاسم.
5. “من مثبطات BCL-2 في اللوكيميا إلى علاجات NLRP3 المستهدفة للأمراض القلبية”
سؤال: ما هي الأمراض التي تعتقد أنها الأقرب الآن للاستفادة من أدوية تتلاعب بشكل دقيق بمسارات الموت أو الالتهاب؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: في مجالي تلاعب الموت الخلوي، يعتبر مثبط BCL-2 (فينيتوكلاكس) مثالاً رئيسيًا؛ إذ يُستخدم لعلاج اللمفاوية المزمنة، حيث يتجاوز مثبط الموت BCL-2 في الخلايا السرطانية لتحقيق توازن يفضل الموت الخلوي. أما في الالتهاب، فمثبطات NLRP3 تُعد من أبرز الأمثلة اليوم، حيث أظهرت التجارب السريرية المرحلة الثانية من قبل شركة إيلي ليلي وشركة نوذيرا وعدًا كبيرًا في علاج أمراض القلب المرتبطة بالالتهاب، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من مستويات عالية من بروتين C- التفاعلي. وإذا سارت الأمور بشكل جيد في المرحلة الثالثة، فسيغير هذا الأمر بصورة جذريّة طريقة علاج أمراض القلب.
6. “السؤال ليس كم مقالاً نشرت، بل ماذا اكتشفت”
سؤال: التجارب العلمية غالبًا ما تتضمن إخفاقات متكررة وغياب اليقين. ما النصيحة التي تقدمها للباحثين المبتدئين الذين يقضون شهورًا أو سنوات في تجربة بدون الحصول على النتائج المرجوة؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: البحث العلمي مهنة صعبة لأن معظم ما تقوم به في النهاية فشلات، ومن الضروري أن تكون متحمسًا جدًا ومشوقًا لما تفعله. الكثيرون يهدفون إلى نشر مقالات في مجلات مرموقة مثل سيل Science أو نيتشر Nature، لكن الأهم هو ما اكتشفته فعلاً، وليس كم ورقة علمية نشرت. إذا كنت مولعًا بالبحث، فاعلم أن الطريق طويل لكنه مجزٍ جدًا، كأنك مستكشف يكتشف أشياء لم يراها أحد من قبل. الطبيعة لا تكشف عن أسرارها بسهولة، لذا لا تقتصر طموحاتك على نشر الأوراق، بل اسعَ لاكتشاف شيء كبير حقًا.
7. “هل نحن وحدنا في العالم أم هناك حياة أخرى؟”
سؤال: كجزء من حملتنا “نقل العلوم”، إذا أردت أن تترك سؤالًا علميًا مفتوحًا أو غير محسوم ليجيب عنه فائز آخر، ماذا سيكون؟
الدكتور فيشفا ديكسيت: بعد أن اكتشفنا كواكب خارج نظامنا الشمسي والعديد من المجرات، يتبادر إلى أذهاننا سؤال كبير حول إمكانية وجود حياة على تلك الكواكب. مع تطور أدوات الفضاء والأرصاد الفلكية، أود أن أطرح السؤال التالي: هل نحن وحدنا في الكون، أم هناك حياة أخرى؟
نبذة عن الجائزة
جائزة مؤسسة الأوسمة العالمية هي جائزة تُمنح وتُنظم من قبل المؤسسة ذاتها، وتُموّل بشكل حصري من قبل شركة سيكويا الصينية، وتدعمها مؤسسة شانغهاي للعلوم والتكنولوجيا. وتهدف الجائزة إلى تكريم الباحثين والمبتكرين حول العالم الذين يساهمون في تقدم العلوم، واكتشاف المواهب الشابة من العلماء الواعدين، وتوفير منصة للحوار والتعاون بين كبار العلماء والباحثين الشباب الصاعدين، بهدف دفع التقدم العلمي والتكنولوجي على المستوى العالمي، وتعزيز مكانة شانغهاي كمركز عالمي للعلوم والابتكار عالي الجودة.
الجائزة تتضمن ثلاث فروع: جائزة مؤسسة الأوسمة العالمية في علوم الحاسوب أو الرياضيات، وجائزة في علوم الحياة أو الطب، وجائزة للشباب العلماء المتميزين.
