شهد سوق الحواسيب الشخصية العالمي تراجعًا حادًا وغير معتاد خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، وهو موسم يُعد عادة من أكثر فترات البيع ازدحامًا. وقد أثرت مجموعة من العوامل مثل ارتفاع أسعار المكونات، وقيود سلاسل التوريد المرتبطة بتوسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، على عمليات الشحن والتسليم.
وفقًا لبيانات شركة الأبحاث الأمريكية الرائدة في مجال سوق تكنولوجيا المعلومات، انخفضت الشحنات العالمية للحواسيب التقليدية بنسبة 9.1% خلال الربع المنتهي في 30 سبتمبر مقارنة بالربع السابق، وتراجعت بنسبة 20.1% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتصل إلى حوالي 62.7 مليون وحدة.
ويُعد هذا هو الربع الثاني على التوالي الذي يشهد انخفاضًا سنويًا في السوق العالمي للحواسيب، مع تدهور أكثر حدة مقارنة بالربع السابق. غالبًا ما يستفيد الربع الثالث من الطلب الناتج عن العودة إلى المدارس، وشراء الشركات، وتجميع المخزون بنهاية العام، وهو ما عادةً ما يدفع عمليات الشحن فوق مستويات الربع الثاني. لكن هذا العام، تدهور هذا النمط الموسمي بشكل غير معتاد.
وفي نفس اليوم، أظهرت بيانات مؤسسة أبحاث أخرى أنها مرّت بنفس الاتجاه، حيث قدر مركز أوميديا البريطاني أن الشحنات العالمية من أجهزة الحواسيب المكتبية والمحمولة ومحطات العمل تراجعت بنسبة 21.2% مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى حوالي 58.1 مليون وحدة.
وقد سجلت جميع أكبر الشركات المصنعة للحواسيب انخفاضات ذات رقمين في عمليات الشحن خلال الربع الثالث، بحسب شركة أبحاث نيودام، التابعة لشركة إدارة البيانات الدولية. بقيت شركة لينوفو في المركز الأول كأكبر بائع للحواسيب عالمياً خلال الربع، بحصة سوقية بلغت 23.8%، ولكنها شهدت تراجعًا في الشحنات بنسبة 22.6%، لتصل إلى نحو 14.9 مليون وحدة.
أما شركة هوليت-باكارد، فتراجعت شحناتها بنسبة قياسية بلغت 30.9%، لتصل إلى 10.3 ملايين وحدة، الأمر الذي جعلها تسجل أكبر تراجع بين الشركات الكبرى، بينما شهدت شركة ديل انخفاضًا بنسبة 25%، وتراجعت مبيعاتها إلى 7.6 مليون وحدة. وتؤكد البيانات ذاتها أن الاتجاه في السوق كان مقابلًا لهذا التراجع.
ومن الجدير بالذكر أن الانخفاض لم يكن نتيجة ضعف الطلب فقط، بل تداخلت معه عوامل أخرى مثل الشراء المسبق وتكديس المخزون خلال النصف الأول من العام، إضافة إلى ارتفاع أسعار المكونات وقيود سلاسل التوريد الناجمة عن توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ففي بداية السنة، قام المصنعون والموزعون بشراء كميات كبيرة واحتلت مخزونًا استراتيجيًا لضمان التوريد، خاصة مع توقع ارتفاع أسعار الذاكرة، مما أدى إلى دفع بعض الطلبات إلى الأشهر التالية، قبل أن يبدأ الموزعون في بيع المخزون المكدّس خلال الربع الثالث، مما أضعف الارتفاع الطبيعي المتوقع في عمليات الشحن خلال هذه الفترة.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الحواسيب، يشعر الموزعون الآن بالقلق من الاحتفاظ بمخزون كبير في سوق يعاني من ضعف الطلب، ويتوقع أن يستخدموا عروض الترويج لتقليل المخزون على المدى القصير، رغم أن الأسعار لا تتوقع أن تعود إلى المستويات التي كانت سائدة قبل عام.
أما من الناحية التقنية، فإن الطلب المتزايد بشكل سريع من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على ذاكرة عالية السعة، وشرائح الذاكرة الديناميكية، ومحركات الأقراص ذات الحالة الصلبة، يضغط بشكل إضافي على إمدادات المكونات الإلكترونية الاستهلاكية. إذ تتجه شركات تصنيع الذواكر نحو استثمار المزيد من رأس المال وتحسين القدرة الإنتاجية للمساعدة في تلبية احتياجات مراكز البيانات وخوادم الذكاء الاصطناعي التي تحقق هوامش ربح أعلى، مما يقلص الإمدادات المتاحة للأجهزة التقليدية مثل الحواسيب والهواتف المحمولة.
ووفقًا لخبير في أوميديا، كانت ذاكرات الوصول العشوائي و أقراص الـ SSD تمثل حوالي 15% من تكلفة الحاسوب عادة، ولكن مع ارتفاع أسعار المكونات بشكل كبير، ارتفعت تلك النسبة إلى قرابة 40%. وعلى الرغم من أن الشركات المصنعة حاولت رفع أسعار منتجاتها عدة مرات خلال الأشهر الماضية، فإن تلك الزيادات لم تكن كافية لتعويض التكاليف العالية بشكل كامل.
ونتيجة لنمو تكاليف المكونات، ارتفعت متوسطات أسعار البيع للحواسيب بشكل ملحوظ، مما ساعد على تعويض جزئي عن تراجع حجم الشحنات وإجمالي الإيرادات. وفي الوقت ذاته، يبرز قطاع الخوادم الموجهة للذكاء الاصطناعي كقوة دافعة أقوى لنمو الشركات المصنعة للحواسيب، مما يمنح السوق مصدرًا جديدًا للتوسع رغم التحديات الحالية.