يتم إعادة تشكيل وظائف المهن المهارية والتقنية والخدمات بسرعة تفوق قدرة أنظمة التعليم والتدريب على التكيف، مما يفتح فجوة ثلاثية في القدرات تضع جيلاً جديداً من العمال في خطر أن يكونوا “مليئين بالذكاء الاصطناعي ولكن يفتقرون إلى الخبرة”، وفقًا لدراسة حديثة صدرت عن مجموعة تعليمية في المملكة المتحدة تُعنى بالتقييم والشهادات الرقمية والتقليدية.
تتعلق القدرات الثلاث بـ “محو أمية الذكاء الاصطناعي المختصة بالأدوار والحكم النقدي، أي القدرة على فهم متى يُستخدم الذكاء الاصطناعي، ومتى يجب الشك فيه، وكيفية تطبيقه بشكل آمن ومسؤول”، إلى جانب القدرات الإنسانية من تواصل، وتعاون، ومرونة، وذكاء عاطفي، وسرعة تعلم، والمعرفة المؤسسية التي يحملها الخبراء المتقاعدون معهم، وفقًا لأبحاث نُشرت في 24 سبتمبر خلال مسابقة المهارات العالمية الـ48 في شنغهاي والتي انتهت أمس.
إذا تُركت الفجوة دون معالجة، فقد تجعل الأمور أكثر صعوبة على أصحاب العمل للحفاظ على معايير السلامة، واستدامة الخدمات الأساسية، ودعم النمو الاقتصادي، حسب تقارير يُعتقد أنها تؤدي إلى مشكلة كبيرة تتعلق بالمواجهة بين توافر المهارات واحتياجات السوق، خاصة في سياق التوقعات بأن الطلب على العمالة المهارية سيزداد بشكل كبير.
أظهرت استبيانات لعمال تدريبوا على تشغيل الآلات الصناعية وأشخاص في بدايات مسيرتهم المهنية أن معظمهم يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في عملهم، لكن أقل من نصفهم أبدوا الثقة الكافية بأن تدريبهم سيؤهلهم لذلك بشكل كافٍ.
وتُظهر الأبحاث أن الطلب على العمالة المهارية في السوق العالمية، خاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين، يتصاعد بشكل كبير، مع توقعات بأن يصل عدد المهنيين المطلوبين في الصين إلى حوالي 477 مليون بحلول عام 2035، فيما تصل الفجوة بين العرض والطلب إلى مئات الملايين، مع نسبة عجز تصل إلى حوالي 149 مليون وظيفة، رغم جميع التدابير التي قد تتخذ لزيادة مشاركة القوى العاملة أو تدريب خريجين جدد على الوظائف الفنية والخدمية.
ووفقًا للتوقعات، فإن القطاعات التي ستشهد أكبر زيادة في الحاجة للعمالة هي التجارة بالتجزئة والجملة، حيث من المتوقع أن تتضاعف الحاجة إلى التوظيف، والقطاعات الثقافية والرياضية والترفيهية، حيث ستتضاعف احتياجات التوظيف أيضًا، مع تزايد استخدام الأتمتة في القطاعات الصناعية، والنقل، والفنادق، والبناء، إلا أن أنشطة مثل البيع بالتجزئة، والرعاية الصحية، والخدمات المنزلية، والثقافة، والرياضة تظهر إمكانيات أكبر لتعزيز الأداء باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي ظل هذه التحولات، يصبح من الضروري أن يدمج العاملون في المستشفيات، والمصانع، والبنى التحتية الحساسة بين الحكم الجيد عند العمل مع الذكاء الاصطناعي، والمهارات الإنسانية التي لا يمكن للآلات استبدالها، والخبرة العملية التي تأتي مع التجربة، وفقاً لمديرة شركة تعليمية محلية. كما أن الصين أحرزت تقدمًا ملحوظًا في دمج التعليم بالصناعة، وتعزيز التعلم القائم على الخبرة، وبناء أنظمة ذكاء اصطناعي مصممة خصيصًا لتطوير قوى عاملة مؤهلة، لكن سد الفجوة يتطلب تضافر جهود أصحاب العمل والمربين مع صانعي السياسات لمساعدة الشبان على النمو بالتوازي مع تطور الذكاء الاصطناعي.
وتُشير بعض الآراء إلى أن الوظائف المكتبية كانت دائماً في مقدمة القطاعات التي يُتوقع أن يتأثر الذكاء الاصطناعي بها، إلا أن استخدامه الآن يمتد إلى المجالات الميدانية مثل التصنيع، والرعاية الصحية، والصيدليات، حيث يُستخدم في فحص الجودة، وإرشاد العمليات، والتحقق من الوصفات الطبية، وهو يظل حاضرًا ولا يتوقف.
أما عن سبب صعوبة مواكبة الكليات الفنية والتقنية لمتطلبات السوق، فلأن أصحاب العمل غالبًا ما يتمكنون من الاستثمار بسرعة أكبر في أدوات وتقنيات السوق من المؤسسات التعليمية، على أن تتأكد المدارس من أن الطلاب يتعرضون للتدريب العملي الحقيقي، وليس النظري فحسب، مع الحفاظ على حوار مباشر ومستمر مع أصحاب العمل المحليين.
وفي مناقشة مع قادة منظمات عالمية، تم طرح أن تقييم المهارات في زمن الذكاء الاصطناعي يتطور ليشمل تفاعل المرشحين مع أدوات الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات عمل حقيقية أو محاكاة، أو الاعتماد على الامتحانات التحريرية والمقابلات الشفوية لاستبعاد الذكاء الاصطناعي، إذ إن التقييم يتجه تدريجيًا ليشمل المهارات اللينة مثل اتخاذ القرار والتواصل، مع اعتراف بأن الذكاء الاصطناعي لن يختفي، ويجب تعلم كيفية الاستفادة منه وتوجيهه بشكل صحيح.
