حفر المواقع الأثرية يشبه تقطيع كيكة ذات طبقات متعددة، ففي كل مرة يزيل فيها الباحثون طبقة من التربة، لا يمكن إعادة وضعها مرة أخرى. لذلك، من الضروري توثيق كل طبقة بدقة قبل مواصلة الحفر، خاصة عندما تكون الطبقات المجاورة لها متشابهة في الشكل واللون، مما يجعل التمييز بينها أمراً صعباً للغاية.
لمواجهة هذه المشكلة، طور باحثون من جامعة آرهوس ومتحف مويزغارد في الدنمارك نظام تصوير مبتكر وبتكلفة منخفضة يكشف عن اختلافات دقيقة في التربة لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة. النظام، الذي أُطلق عليه اسم التصوير باستخدام الأشعة المتعددة الأطياف باستخدام مصابيح LED (LEDMSI)، يعوّض الإضاءة البيضاء التقليدية بأضواء LED تنتج 16 طول موجي مختلف، تتراوح من فوق البنفسجي القريب إلى الألوان المرئية وحتى الأشعة تحت الحمراء القريبة.
حُبيبات المواد والأشياء تمتص وتنعكس الضوء بمختلف الطرق، مما يعني أن بقعتين من التربة البنية أو السوداء قد تظهران متشابهتين تحت الإضاءة العادية، لكنه مع ذلك يمكن تمييزهما عند فحصهما عبر أجزاء أخرى من طيف الضوء. بدأ الباحثون اختبار هذا النظام في موقع “سورتي مولد”، وهو موقع من عصر الحديد على جزيرة بورنهولم الدنماركية، والتي سُميت بهذا الاسم لأنها تحتوي على ترسيبات داكنة غنية بالآثار، تُعكس نشاطات إنسانية لقرون طويلة، رغم أن طبقاتها رقيقة ومتفاوتة في الشكل واللون، مما يصعب التعرف على حدودها.
قامت نظارة النظام بالتقاط صور لنفس الجزء من التربة مراراً وتكراراً، مع إضاءة الموقع بكل من أطوال الموجات الـ16، ثم استخدم الباحثون طرقاً إحصائية لدمج البيانات وتوضيح الفروقات بين المواد. أظهرت الصور المعالجة طبقات وتغيرات كانت غير مرئية في الصور العادية، ومن بين النتائج تحديد سطح قديم يرجح أنه يمثل مستوى أرضي قد يوضح توقف النشاط في الموقع، لكن يتطلب الأمر المزيد من الدراسات لتأكيد ذلك.
هذه الحدود مهمة لأنها غالباً ليست واضحة تماماً، إذ أن الترسيبات الأثرية لا تتكون عادة في طبقات منتظمة، بل تتعرض للحفر المستمر، والملء، وتحريك التربة، والبناء فوق الهياكل القديمة. كما ساعد النظام في رؤية قطع عظام صغيرة، حيث تتوهج تحت الضوء فوق البنفسجي، مما يسهل تعقب العظام والآثار المحتملة للأحياء القديمة، الأمر الذي قد يساعد في اختيار عينات تُستخدم لاحقًا في التحليلات الوراثية أو البروتينية.
بالإضافة إلى ذلك، أشارت الدراسات السابقة إلى أن اللمعان الناتج عن العظام قد يعكس وجود الكولاجين، وهو بروتين مهم عند دراسة حمض DNA القديم أو البروتينات، على الرغم من أن الدراسة الحالية لا تؤكد بشكل قاطع أن النظام يستطيع تحديد العينات المثلى بشكل تلقائي، إلا أنه يُظهر أن التعرف على البقايا المتوهجة يمكن أن يتم بسرعة باستخدام معدات بسيطة نسبياً.
وُجد أن النموذج المطور يكلف حوالي عشرين ضعف ما يتطلبه التقنيات عالية التعدد الطيف، ولكنه يقدم بديلًا اقتصاديًا وفاعلاً. في موقع “فريدبييرج” بشمال الدنمارك، يُجري الباحثون الآن حفريات لمقبرة من أواخر العصر الفايكنغي وأوائل الفترة المسيحية، حيث تكون بعض الجثث باقية فقط كظلال خفيفة في التربة، ويمكن لهذا النظام المحدث التقاط كامل مجموعته من الصور خلال حوالي 30 ثانية، مقارنةً بخمس دقائق في النموذج الأولي. يُنوي الباحثون عرض النتائج على أجهزة الهاتف المحمول وأجهزة محمولة أخرى مباشرة أثناء التنقيب، واستخدام تقنيات التعلم الآلي للتعرف على أنماط الأطياف المختلفة للمواد، بهدف تزويد علماء الآثار بأساليب جديدة لفهم الماضي قبل أن يبعدوه بالحفريات.




