الوسم: توتر ما بعد الصدمة

  • كيف تؤثر الأزمة القلبية على الصحة النفسية

    كيف تؤثر الأزمة القلبية على الصحة النفسية

    الأحتياجات البدنية لشخص يتعافى من نوبة قلبية أو توقف قلب أو عملية جراحية قلبية كبرى واضحة وسهلة الفهم غالبًا، إلا أن الشفاء النفسي والعاطفي يمثل تحديًا أكبر لكثيرين. إذ تؤثر اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب الكرب التالي للصدمة بشكل غير مباشر على مدى سرعة التعافي، وتشمل تأثيراتها ليس فقط المرضى بل وأحبائهم أيضًا، وفقًا للخبراء.

    أكدت جيولي كانيجهام، أخصائية الصحة النفسية السريرية التي تعمل مع مرضى القلب في مجموعة Samaritan الطبية بكورفاليس، أوريغون: “مواجهة الاكتئاب أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لصحة النفس، بل أيضًا لصحة القلب.” وأوضحت أن المصابين بالاكتئاب يتعثرون في العودة إلى برامج إعادة التأهيل القلبي، التي تعتبر ضرورية لعملية الشفاء، وأن الاكتئاب بعد نوبة قلبية يزيد من مخاطر الوفاة، استنادًا لدراسات منشورة في المجلة الأوروبية لصحة القلب في 2017.

    تُظهر الأبحاث أن اضطرابات الصحة النفسية تتبع مجموعة من المشاكل القلبية. فمثلًا، تؤثر الاكتئاب أو القلق على أكثر من 30% من الأشخاص الذين أجروا استبدال صمام الأبهر، و30% إلى 40% من من خضعوا لعملية مجازة القلب.

    هل يمكن للأحداث القلبية أن تسبب اضطراب ما بعد الصدمة؟
    يقول الدكتور ساشين أغروال، مدير عيادة الرعاية العصبية-القلبية الشاملة بجامعة كولومبيا في نيويورك: كل تجربة قلبية تحمل نوعًا ومستوى خطورة مختلفًا من المخاطر النفسية. فمثلاً، من يعاني من نوبة قلبية، حيث يتوقف تدفق الدم إلى القلب، قد يشعر بألم في الصدر أو ضيق في التنفس ويطلب علاجًا عاجلاً. ويقول أغروال إن واحدة من كل ثماني حالات نجاة من نوبة قلبية ستعاني من اضطراب ما بعد الصدمة.

    أما من يعاني من سكتة دماغية بسيطة، فيتحدث عن مشاعر رعب، ويذكر أن حوالي ربع الناجين من أي نوع من السكتات يعانون من PTSD بعد سنة، وفقًا لدراسة نشرت في 2018.
    أما من يتعرض لوقف القلب المفاجئ، حيث يتوقف القلب عن العمل بشكل فجائي، فهو غالباً فاقد للوعي وتكون حياةه معرضة للخطر، لكنه يستيقظ بعد أيام أو أسابيع في وحدة العناية المركزة بدون ذاكرة عن كيفية وصوله هناك. ويقول أغروال إن ثلث هؤلاء يواجهون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأن نصفهم يعاني من الاكتئاب عند خروجهم من المستشفى.

    يصف أغروال الحالة النفسية لمرضى توقف القلب بأنها غالبًا تتسم بالقلق المفرط، مع علامات اليقظة الشديدة وصعوبة التركيز أو النوم، ويميلون لتجنب الأماكن والسلوكيات التي تذكرهم بالحادث الصادم.
    كما يمكن للجراحة القلب أن تسبب أحيانًا مشاكل إدراكية بالإضافة إلى اضطرابات الصحة النفسية، خاصة مع فترات الاستشفاء الطويلة، مما يؤدي إلى ما يُعرف بمتلازمة ما بعد المستشفى أو بعد وحدة العناية المركزة، والتي تشمل مجموعة من المشاكل الجسدية والنفسية.

    أما بالنسبة للاكتئاب بعد التشخيص بأمراض القلب، فهناك روابط بيولوجية مثبتة بين الاكتئاب وأمراض القلب. ويقول كوينيجهام إن الأزمة القلبية قد تثير اضطرابات عاطفية متعددة، كالخوف من تكرار المشكلة أو الشعور بالحزن نتيجة تدهور الحالة المزمنة، الأمر الذي قد يعيق قدرة المريض على ممارسة حياته الطبيعية أو الانخراط في هواياته السابقة.

    قد يتحول الشخص الذي كان دائمًا مقدّم رعاية إلى من يحتاج إلى العناية، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على مقدمي الرعاية أيضًا.
    وبمزيد من التطوير، يوضح أغروال أن الأزمات القلبية تؤثر أيضًا على أفراد الأسرة، حيث يمكن أن تؤدي إلى توتر نفسي بسبب الشعور بالعجز، خاصة وأن بعض العائلات تجد صعوبة في التعامل مع الحالة، وأن أبناء البالغين قد يكتشفون أن لديهم أيضًا مخاطر صحية وراثية.
    غالبًا ما يكون الحادث واختياره التلقائي هو السبب في الصدمة النفسية للعائلة، إذ غالباً ما يحدث السكتة القلبية في المنزل، ويكون أحد أفراد الأسرة هو المنادي للطوارئ، ويبدأ في إجراء CPR، ويتخذ قرارات صعبة، ويتساءل عما إذا سيستيقظ المريض.

    وفي حين يواجه المريض أسئلة وجودية بعد معرفته بالحالة، فإن أفراد الأسرة، خاصة المقربين منهم، يعانون من ذكريات دائمًة وذكريات الصدمة، وقد تكون مستويات التوتر لديهم أحيانًا أعلى من المصابين أنفسهم، خاصة فيما يخص مشاعر الاختناق أو الإحساس بالخطر.
    أظهر بحث نُشر في مارس في مجلة “Resuscitation Plus” بقيادة أغروال أن أفراد العائلة أبلغوا أحيانًا عن مستويات أعلى من المعاناة النفسية من المرضى أنفسهم، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرات مقدمي الرعاية على تقديم الدعم ومنع تدهور الحالة الصحية للمريض.

    ما هي العلامات التي تشير إلى ضرورة الانتباه للصحة النفسية؟
    تقول كونيجهام إن المشاكل النفسية تظهر بأشكال متنوعة، فمثلاً، الاكتئاب قد يتجلى بفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تجلب السعادة سابقًا، مع شعور بالانزعاج، أو الإحباط، أو اللامبالاة. كما يعاني البعض من اضطرابات في النوم أو تغيّر في الشهية.
    وتؤكد أن أعراض الاكتئاب ليست مقتصرة على الحزن، وأنها يمكن أن تعيق بشكل كبير قدرة الشخص على الاعتناء بصحته، كحضور المواعيد الطبية أو الالتزام بالعلاج.

    لماذا يُعد القلق خلال فترة التعافي من القلب شائعًا؟
    يقول أغروال إن القلق الخاص بأمراض القلب غالبًا ما يظهر في صورة تركيز مبالغ فيه على التغيرات الطفيفة في أعراض الجسم، مثل زيادة معدل ضربات القلب، مع صعوبة في التمييز بين الأعراض المهددة أو غير المهددة. وغالبًا ما يتلقى الأطباء رسائل من المرضى خوفًا من أن هناك مشكلة خطيرة، وعندما يراجعون الطوارئ لا يظهر على المريض أي علامات واضحة للمشكلة.

    كيف يدعم البرنامج التأهيلي للقلب التعافي العاطفي؟
    توفر برامج إعادة التأهيل القلبي، كما تقول كونيجهام، فرصة مهمة للتعامل مع هذه القضايا، فهي تتضمن التثقيف حول عوامل التوتر والعوامل النفسية، بالإضافة إلى تمرينات تحت إشراف متخصص، التي ثبت أنها تقلل من أعراض الاكتئاب المعتدل. كما يمكن للفريق المتخصص دعم المرضى نفسيًا وتوجيههم إلى العلاج النفسي عند الحاجة.
    أيضًا، تفسح برامج التأهيل فرصة للقاء مرضى آخرين يعانون من مشكلات قلبية، مما يعزز الدعم الاجتماعي ويقلل من شعور العزلة، ويساعد على تقبل الحالة النفسية الطبيعية التي يمر بها المرضى.

    أما من لا يشارك في برامج التأهيل القلبي، فيمكن للطبيب المختص أو الطبيب العام أن يرشح لهم معالجين نفسيين، وتبدأ نصائحهم غالبًا بالتشجيع على العودة تدريجيًا للروتين اليومي، حتى لو كانت الجراحة قد أبطأت النشاطات المعتادة، فحتى القيام من السرير وارتداء الملابس وتناول الإفطار تعتبر خطوات مهمة في إعادة النشاط.
    وتسمي كونيجهام ذلك “التنشيط السلوكي”، الذي يعني ببساطة العودة إلى الأنشطة الممتعة والهادفة لتعزيز الحالة النفسية، وهو طريقة فعالة مؤكدًا على أن النظام الصحي يجب أن يولي اهتمامًا أكبر للتعامل مع المشاعر النفسية بعد الأزمات القلبية.

    ويعمل أغروال مع باحثين آخرين على تطوير طرق للتنبؤ بالمشكلات النفسية في مرضى القلب، مع محاولة إشراك العائلات في عملية الشفاء.
    ويشير إلى أن هذه المجالات التي يغطيها البحث جاءت نتيجة حاجة ملحة، إذ أن أنظمة الرعاية الصحية عليها أن تبذل المزيد، ولا يمكن الاعتماد فقط على الأسرة أو المريض لتوفير الدعم أو طلب المساعدة، بل يتحمل المجتمع المسؤولية في تقديم الموارد بشكل عادل لمن يحتاجونها بشدة.

    وتؤكد كونيجهام على أهمية التوعية، إذ أن الكثيرين يعتقدون أن مرضاهم يعرفون أن لديهم قلقًا أو اكتئابًا، ولكن غالبًا ما يكون الحديث مع المرضى حول مشاعرهم وشرحها بداية مهمة تساعد على التعرف على الحالة بشكل أفضل وفهمها بشكل أعمق.
    وأخيرًا، تنصح بأن يكون وعي مرضى القلب وأسرهم مرتفعًا حول مدى شيوع الاكتئاب والقلق، وتؤكد أن ذلك لا يدل على أن هناك خطبًا في شخصيتهم، وإنما هو استجابة شائعة جدًا.

    للمهتمين بصحة القلب، ينصح بقراءة الدراسات التي تشير إلى فائدة تناول البيض في تقليل خطر أمراض القلب، وفوائد فيتامين ك2، كما تشير أبحاث حديثة إلى أن زيت الزيتون قد يساعد على إطالة العمر، وأن فيتامين سي مرتبط بانخفاض مخاطر فشل القلب.
    المصدر: جمعية القلب الأمريكية.