كتابات كولومبوس تكشف تداخل الدين والفتوحات منذ البداية

كتابات كولومبوس تكشف تداخل الدين والفتوحات منذ البداية

يعد شخصية كريستوفر كولومبوس من أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للجدل، حيث ينقسم الرأي حوله بشكل كبير. يراه البعض في إسبانيا والولايات المتحدة بطلاً عظيماً، مكتشفاً لعالم جديد، بينما يراه آخرون غازياً متعجرفاً وبدءاً لدوامة الدمار البيئي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، ومرتكبًا للاستعباد وإراقة الدماء بحق السكان الأصليين.

كونه مؤلفاً لأرشيفات تبرز مدى ارتباط الدين بالغزو منذ البداية، يظهر من خلال مقتنياته الخاصة أن نشر المسيحية كان هدفًا رئيسيًا لخطط الاستعمار الأوروبية. في كتابه الصادر عام 2026 بعنوان “القارة المتنازع عليها: الصراع من أجل أمريكا الشمالية، من حوالي 1000 إلى 1680″، يوضح كيف شكّلت الرغبة الدينية الأوروبية إنشاء المستعمرات التي استفادت من الغزاة، رغم الأثر المدمر على السكان الأصليين والعبيد.

قبل أن يبحر كولومبوس، كانت هناك رغبة عميقة لدى الأوروبيين في توسيع إيمانهم وأراضيهم. فقبل قرون، قاد الصليبيون حملات في الشرق الأوسط لاستعادة القدس من المسلمين، وكانت إسبانيا قد شهدت صراعات طويلة مالكة للسيطرة على الأندلس، حيث دخلت القوات المسلمة من شمال أفريقيا في القرن السابع وسيطرت على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة. استمرت حرب الاسترداد حتى طرد اليهود واحتلال آخر معاقل المسلمين في غرناطة عام 1492.

وفيما بعد، استولى البرتغاليون على جزر الأطلنطي الوسطى، مثل الأزور وماديرا، وحققوا استعمارات في جزر الكناري، حيث أغلقت السلطات المحلية وادي النيل من العبيد الأفارقة لإنتاج السكر، وأُجبر السكان الأصليين على العمل في مزارعهم.

أما رحلة كولومبوس الأولى، فكانت بحثًا عن طريق أسرع للوصول إلى المحيط الهادئ الجنوبي لشراء التوابل الغريبة. رغم أن الدعم المقدم من ملكة إسبانيا إيزابيلا والملك فرديناند الثاني، مكنه من الإبحار، إلا أن رحلته انتهت بنزوله في جزر البهاما في عام 1492، حيث ظن أنه وصل إلى آسيا. أطلق على الشعوب التي قابلها اسم “الهنود” اعتقادًا بأنه في طريقه إلى الشرق، وظل الاسم مألوفًا رغم خطئه الجغرافي.

خلال رحلته، قام بتسمية عدة جزر بأسماء دينية، مثل سان سلفادور (المخلص المقدس)، وأسماء تكريمًا لراعته، كسانتا ماريا دي كونسيبيون (مريم العذراء للحبل)، ونابوسيداد (الميلاد). كما أسس سيطرته على السكان الأصليين، مستوليًا على بعضهم بالقوة، بهدف تعليمهم الإسبانية وتحويلهم إلى المسيحية.

بعد عودته إلى إسبانيا، كتب تقارير praising اكتشافاته، مؤكدًا أن العالم المسيحي يجب أن يفرح، لأن ما حققه سيكون سبب مجد لا يُضاهى للملوك والجنود، وتحقيق هدف نشر الإيمان المسيحي بين الشعوب الجديدة. في سنوات قليلة، انتشرت كتبه وترجمت إلى لغات متعددة، ولقبه الملكان “أمير المحيط”.

وفي رحلاته اللاحقة، أسس بعثات تبشير بين السكان، وأرسل رجال دين لدراسة معتقداتهم والتخطيط لتحويلهم. ولكن، مع تزايد الانتقادات، واجه كولومبوس مشاكل قانونية، وأُجبر على العودة إلى إسبانيا مكبلو اليدين، بسبب اتهامات بالإهمال وارتكاب مخالفات في إدارة المستعمرات.

تعمق في دراسة الكتاب المقدس وعقيدة الكنيسة، وكتب ملاحظاته الخاصة، التي أطلق عليها فيما بعد اسم “كتاب النبوءات”، حيث اعتبر نفسه من أفراد الأنبياء الذين يسيرون على خطى إشعياء، مطالبًا العالم كله بالتحول إلى الكاثوليكية. وأشار في كتاباته إلى أن اكتشافاته كانت بمساعدة إلهية، مدعيًا أن الله أعطاه موهبة فهم لا يمنحها إلا الأنبياء، وأنه كان يسير على درب القديسين لإعادة البشرية إلى الإيمان الحقيقي.

رُوي أنه كان يعتقد أن الله ألقاها عليه ليقود شعوب العالم إلى الحق، مستندًا إلى نبوءات قديمة وردت عن اكتشاف عالم جديد، واستشهد بأقوال من مؤرخين مثل سينيكا، الذين قالوا إن فترة نهاية العالم ستشهد ظهور قارة جديدة، وأن بحارًا جددًا ستكشف عن أراضٍ غامضة.

أما إرثه، فشهد تراجعًا مع مرور الزمن، نتيجة لتداول تأثيراته السلبية، خصوصًا الاستعباد والدمار البيئي، حتى أن بعض النقاد قالوا إن اسمه بات مرتبطًا أكثر بأخطائه الأخيرة من إنجازاته. مظاهرات حديثة أدت إلى إزاحة تماثيله أو تلوينها بالأحمر، في حين أن معارضيه حاولوا إعادة ترسيخ تماثيله، مع التركيز على أفعاله وتأثيرها بدلًا من كتاباته.

في النهاية، كانت عبارات كولومبوس ومعتقداته الدينية دليلًا واضحًا على ارتباط الاستعمار الأوروبي في العالم الجديد بالدين، حيث استمد العديد من الأوروبيين، سواء من الكاثوليك أو الإنجيليين والبروتستانت، إيمانهم بأنه يجب دمج أمريكا في حضارة المسيحية، وهو النهج الذي استمر لقرون لاحقة في التاريخ الأمريكي والأوروبي.