شهدت صناعة التكنولوجيا مؤخرًا جدلًا جديدًا حول حادثة أطلق عليها اسم “تسميم النماذج” في شركة ByteDance، والتي تعود أحداثها إلى قبل عامين ولكنها عادت لتتصدر وسائل الإعلام مرة أخرى. فقد قام الموظف السابق في الشركة، تان كو يو، بالمشاركة في بودكاست بعنوان “أماكن أخرى تحدث” حيث كشف عن روايته الشخصية لهذه القضية لأول مرة، إلا أن رد فعل الزملاء السابقين لم يتأخر، حيث أصدرت فريقه السابق تقريرًا مفصلًا يضم أكثر من عشرة آلاف كلمة، مؤكدة أن روايته لا تتطابق مع الحقيقة، مما أدى إلى تصعيد الجدل وتوجيه أصابع الاتهام إلى الطرفين في هذه القضية المثيرة للجدل.
ووفقًا لما ذكره تان كو يو في البودكاست، فإن ما قام به من أعمال لم يكن بهدف سرقة موارد الحوسبة أو الإضرار بالمشاريع، بل كان رد فعل غاضبًا على تصرفات زميل جديد كان يقوم بإيقاف برامج تدريب نماذج الآخرين بشكل عشوائي، دون تدخل من الإدارة. وأضاف أن ذلك دفعه لاتخاذ إجراءات فردية، حيث استخدم تقنية GPT لإيقاف مهمة تدريب تلك النماذج، وأشار إلى أن هذه العملية لم تستمر أكثر من عشرة أيام، وأنه قام بتعطيل خمسة مهمات تدريبية فقط، معتبرًا أن ما قام به هو نوع من “العدل البسيط”.
لكن، ما إن نشر البودكاست حتى خرج زملاء سابقون له بمجموعة من المعلومات والتفاصيل، حيث أصدروا تقريرًا كتابيًا طويلًا، يوضح أن الحوادث كانت أكثر تعقيدًا واستمرّت لفترة أطول بكثير من ما روى به تان كو يو. وأكد التقرير أن مشكلة التدريب بدأت منذ مارس 2024، وتكرر وقوعها عبر مشاريع متعددة، وليس فقط في فترة العشرة أيام مذكورة، مشيرًا إلى أن أكثر المشاريع تأثرًا كانت مشروع “LlamaGen” الذي سبب توقفات متكررة، حيث تبين أن ملف “flan-t5-xxl” في مجلد المشاركة تم التلاعب به.
كما أظهرت التحقيقات أن مشروع “Goku” الذي أُطلق في أبريل لتوليد الفيديو، شهد أيضًا مشاكل في تدريب النموذج، حيث فجأة تغيرت خسارة المعايير (loss) وواجهت العمليات تعطلًا، الأمر الذي استدعى فحصًا دقيقًا عبر فرق العمل في عدة مدن مثل بكين وشنغهاي وسياتل، حتى تم التوصل إلى نتائج مهمة في يوليو 2024، توضح أن هناك أدوات برمجية كانت تستخدم أوامر “sudo” لإحلال وتغيير ملفات مهمة في إطار تلاعب متعمد، واستخدام أدوات لإخفاء آثار التلاعب تلك، مما يشير إلى أن الأمر لم يكن مجرد تعطيل مؤقت بل عملية تخريب محسوبة.
وبجانب ذلك، نشرت تقارير أخرى تتهم تان كو يو بشكل إضافي، حيث زعمت أن المشروع الذي كان مسؤولا عنه، وهو مشروع “VAR” لتوليد الصور النصية، تعرض لادعاءات زائفة بشأن نتائجه، حيث كان يُزعم أنه عرض نتائج مستقلة، بينما في الحقيقة، تم الاعتماد على نماذج مفتوحة المصدر، واستُخدمت أساليب تلاعب لإخفاء ذلك، بما في ذلك إضافة بادئة “City” قبل كلمات الأوامر لتظهر وكأنها نتائج حصرية، فيما في الواقع كانت من مصادر خارجية.
ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه الاتهامات من قبل زملائه السابقين تظل قيد التحقيق، ولم يتم بعد إثبات صحة جميع الادعاءات بشكل قطعي، حيث أن التحقيقات القضائية لا تزال جارية، وتشير البيانات إلى أن تان كو يو أنشأ مختبر ذكاء اصطناعي خاصًا ونجح في جذب استثمارات بقيمة تقترب من 30 مليون دولار، بمشاركة شركات استثمار كبرى مثل “Wuyuan Capital” و”IDG Capital”، وحصل على تقييم للشركة يقدر بملياري دولار.
وفي سياق التداعيات القانونية، كانت منظمة “ByteDance” قد أعلنت أنها أوقفت عقد التدريب مع تان كو يو، بعد أن ثبتت تورطه في تعكير أجواء البحث العلمي، ورفعت عليه دعوى قضائية بمطالبة بتعويضات مالية، حيث قضت المحكمة في بداية الأمر بدفع مبلغ 50 ألف دولار، مع إلزامه برد جميع رواتبه خلال فترة التدريب. وأكدت الشركة أن المعلومات التي تتحدث عن خسائر بملايين الدولارات ووقف مئات من وحدات المعالجة (GPU) مبالغ فيها، وأن الضرر كان محدودًا بالمشاريع الداخلية دون التأثير على النماذج أو الخدمات الرئيسية.
وفي النهاية، تبقى القضية مفتوحة، حيث تتضارب التصريحات والأدلة بين الأطراف المعنية، مما يترك المجال مفتوحًا للأحداث القادمة لتحديد الحقيقة النهائية في واحدة من أبرز قضايا التجسس والتلاعب في صناعة الذكاء الاصطناعي.